منزل تميم: عمال مصانع الملابس مطرودون أو بلا أجور

منزل تميم: عمال مصانع الملابس مطرودون أو بلا أجور

يواجه قطاع الملابس، أحد أهم القطاعات الصناعية في تونس، أزمة حادة في ظل تعثر عدة مؤسسات أو توقفها اضطراريا لتراكم الديون وعدم توفر السيولة لمواصلة نشاطها نتيجة التداعيات الكارثية التي خلفتها الأزمة الصحية، مما جعل الكثير من العمال في حيرة بعد أن تم تسريحهم أو بقوا بلا أجور لأشهر.

منزل تميم (تونس) – يدفع العاملون في مصانع الألبسة في تونس ثمنا باهظا للأزمة الاقتصادية بعد أن أرخت بظلال قاتمة على شركات القطاع الغارقة في دوامة المشاكل جراء تقلص العائدات، مما ترك آثاره في ما يتعلق بسداد الأجور.

وبسبب تراكم الديون ونفاد الخيارات أمامها تعلق الخياطة نجاح آمالها على وعد مديرها، الذي يدير مصنعه في منزل تميم دفع أجور متأخرة لأربعة أشهر في أغسطس المقبل. وقد قضى آخرون مثلها أشهرا دون أجر أثناء فترة الإغلاق.

وتتنقل هذه المرأة البالغة من العمر 44 عاما، وهي المعيل الرئيسي في أسرتها، يوميا إلى مصنع الملابس الذي تعمل فيه منذ 22 عاما على الرغم من عدم حصولها على أجر منذ مارس الماضي

ويؤكد الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، أن مصانع الملابس التي تزود ماركات الأزياء الأوروبية تضررت كثيرا من جراء الجائحة، حيث فُقدت الآلاف من الوظائف وتزايدت الشكاوى بشأن انتهاكات حقوق العمال في هذا القطاع.

وقالت نجاح، التي تخيط القمصان في مصنع ببمنزل تميم، خلال استراحة الغداء “كيف لا توجد نقود؟ نحن نعمل. الصادرات تخرج كما فعلت دائما”.

ووفقا للجامعة التونسية للنسيج والملابس تعافت الصادرات من انخفاض الشحنات إلى الأسواق الأوروبية الرئيسية، لكن حوالي 4500 عامل نسيج وملابس فقدوا وظائفهم في فبراير 2021.

ورغم تعهد مالك مصنع في منزل تميم بدفع الرواتب المتأخرة الشهر المقبل، وفي ظل غياب تعليق واضح من محامي الشركة، تقول نجاح إنها لا تشعر بالاطمئنان بشأن تلقي الأموال المستحقة لها من أجرها الشهري البالغ نحو 530 دينارا  وتخشى ما ينتظر المصنع مستقبلا.

ويقوم المصنع بإنتاج قمصان للعلامات التجارية الإيطالية،

وبينما تحاول نجاح سداد ديون متجر المواد الغذائية وأجر معلم ابنها وأجر سائق الحافلة التي تقلها إلى العمل يوميا، قال ثلاثة عمال آخرين  إنهم طردوا من منازلهم لأنهم كانوا غير قادرين على دفع الإيجار بسبب عدم تلقيهم أجورهم لعدة أشهر.

 

وتظهر الأرقام التي تسوقها الجامعة التونسية للنسيج والملابس أن عائدات القطاع كانت الثانية بالنسبة إلى السلع المصدّرة حيث ساهمت بحوالي 6.9 مليار دينار (2.48 مليار دولار) في الاقتصاد خلال العام الماضي.

وقال منير حسين، عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية غير الحكومي، إن “أكثر من 150 ألف تونسي يعملون في الصناعة، معظمهم من النساء”.

وأشار إلى أن الجائحة سلطت الضوء على انتهاكات واسعة النطاق لحقوق العمال. وقال “أدى فايروس كورونا إلى تسريع الأمور، لكن كل هذا مرتبط بمشاكل هيكلية في القطاع”.

ولا ينتمي سوى واحد فقط من كل 10 عمال إلى نقابة عمالية، بينما لا يمكن للعامل أن يحصل على عقد عمل دائم إلا بعد أن يمضي في وظيفته أربع سنوات وهو ما يضمن له ظروفا أحسن مثل مكافأة نهاية الخدمة.

مؤشرات حول القطاع

● 4500 موظف وعامل تم تسريحهم إلى غاية فبراير 2021
● 80 في المئة من المصانع مرتبطة بالسوق الأوروبية
● 15 في المئة نسبة تراجع الصادرات في 2020 بمقارنة سنوية
● 163 دولارا متوسط أجور العاملين في قطاع الملابس والنسيج

ويقول العمال إن أصحاب العمل غالبا ما يجدون طرقا للالتفاف على القانون، وهو ما يؤكده حسين الذي قال إن “الموظفين نادرا ما يتلقون تعويضا عندما تُغلق المصانع لأن الشركات تسعى إلى تهريب أي ممتلكات يمكن الاستيلاء عليها بعد إعلان إفلاسها”.

وأشار إلى أنه خلال فترة الجائحة سُجّل ارتفاع في عدد الشكاوى بشأن عدم دفع تعويضات نهاية الخدمة والأجور المنتظمة.

وقال منير الجندوبي، ممثل الاتحاد العام التونسي للشغل في نابل، إن “الامتناع عن الدفع دون سبب أو إشعار يُعتبر عملا غير قانوني بموجب المادة 21 من مجلة الشغل التونسية”.

وتشكل الشركات العاملة في القطاع نحو ثلث الشركات الصناعية بالبلاد، ويبلغ عددها أكثر من 1850 مؤسسة من ضمنها 1298 مؤسسة مصدرة كليا وتشغل أكثر من 30 في المئة من مجموع القوى العاملة في الصناعة.

وتنتج نحو 80 في المئة من مصانع النسيج والملابس في تونس حصريا لأوروبا، ما يعني أنها تأثرت بشدة عندما تراجعت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 15 في المئة سنة 2020 مقارنة بالسنة التي سبقتها.

وفي إيطاليا، المشتري الرئيسي، أغلقت متاجر الأزياء أربعة أشهر ونصف الشهر خلال العام الماضي بسبب الإغلاق وانخفضت المبيعات بأكثر من الثلث، وفقا لاتحاد صناعة الأزياء الإيطالي كونفكوميرسيو.

وقال رئيس الجامعة التونسية للنسيج والملابس حسني بوفادن “تعاني الشركات منذ أكثر من عام، انظر إلى متوسط مستوى الاستهلاك في أوروبا. الشركات لا تتطور، بل تحاول البقاء على قيد الحياة”.

مصانع الملابس التي تزود ماركات الأزياء الأوروبية تضررت كثيرا من جراء الجائحة
مصانع الملابس التي تزود ماركات الأزياء الأوروبية تضررت كثيرا من جراء الجائحة
وأشار إلى أن المصنعين استمروا في دفع رواتب العمال خلال الإغلاق الأول العام الماضي رغم ركود الصادرات وإغلاق المصانع، مع خفض بدل الإجازة السنوية مدفوعة الأجر.

واعتبر أحمد شهلول، المنسق الوطني لمشروع “سكور تونيزيا” التابع لمنظمة العمل الدولية والذي يعمل مع الحكومة التونسية، أن الجهود كانت لها آثار جيدة على العمال. وقال “ما رأيته تضامن أكثر منه مواجهة”.

واستشهد شهلول بأصحاب العمل الذين استمروا في دفع الرواتب عندما توقف النشاط وكذلك بالموظفين الذين قبلوا تخفيض ساعات العمل أو الأجور، لكنه أضاف أنه كان هناك “انتقال نحو الهشاشة” منذ ظهور الجائحة.

ومع زيادة ضغط الجائحة على الأجور التي يبلغ متوسطها 450 دينارا (163 دولارا) شهريا، يُنظّم العمال صفوفهم لخوض نضالات من أجل حقوقهم.

وفي منزل تميم انتخب عمال مصنع لجنة من أربعة أشخاص في أبريل الماضي لتنظيم الاحتجاجات والتنسيق مع الاتحاد العام التونسي للشغل والتفاوض مع صاحب العمل.

وكانت المفاوضات مستحيلة في البداية، لكن بعد احتجاج أكثر من 150 موظفا في يونيو أمام مقر الولاية بمدينة نابل تمكنوا من عقد اجتماع مع محامي المصنع الذي أكد خلال المحادثات أن الرواتب المستحقة منذ مارس ستدفع في أوت

وقالت نجاح “إذا لم يُثمر ذلك نخشى أن نضطر إلى اللجوء إلى المحكمة”، مضيفة أن صاحب العمل رفض أن يدفع لهم مقابل فترة إجازة لمدة شهرين العام الماضي. وفي الوقت الحالي كل ما يمكنهم فعله هو أن يأملوا انفراج الأزمة.

وتابعت نجاح “لقد عمل أشخاص هنا منذ 25 عاما. وكان هذا مصنعا صغيرا عندما بدأنا، وقد جعلناه أكبر وأنجح”.

 

المصدر العربي