ثقافة..تقديم الموقع الجغرافي لمدينة الهوارية

ثقافة..تقديم الموقع الجغرافي لمدينة الهوارية

تقع مدينة الهوارية في أقصى الشمال الشرقي للوطن القبلي من ولاية نابل وتبعد مسافة 100 كم على مدينة تونس العاصمة برّا وقبالتها جزيرة صقليـّة على مدى 80 ميلا بحرا. يحدها البحر من الشمال غربا وشرقا ومن الجنوب الغربي تحدها مدينة تاكلسة ومدينة منزل تميم جنوبا ومدينتي حمام الأغزاز وقليبية شرقا.
ومنذ سنة 1966 أصبحت مدينة الهوارية “بلدية” تضم كل من منطقة الهوارية التي تنقسم بدورها إلى الهوارية الجوفية وتشمل كل من هذه المناطق العمرانية: الهوارية المدينة، الشاطئ القبلي، العرقوب، فرجون، بوحبيب، الفطح، سيدي عبد السلام، ثم الهوارية القبلية وتشمل كل من الكدوة، الشرف، سيدي مذكور.

 

 

كما تتسع الدائرة البلدية لتشمل عدة تجمعات سكانية ذات الطابع الريفي وهي منطقة صاحب الجبل الجوفية وتشمل كل من منزل سالم، غرمان، صاحب الجبل، طنارة سيدي داود وسيدي داود الولي، القفازة، برج الصالحي وبني خيرة الشمالية.
أما صاحب الجبل القبلية تضم الغرفة، الجسر، آبان، المخاترية، دار شيشو، بني خيرة الجنوبية.
تعرف بمدينة الهواريّة أكبر مركز للمحاجر القديمة التي استغلّها البونيـّون والرّومان لتشييد معالمهم الدّينيّة والمدنيـّة وهي ما يسمّى ب“المغاور البونية” والتي تمثل منطقة الأوكار للطيور الجارحة كالشاهين من فصيلة الصقور والملقب بالبرني لدى أهالي الهوارية.

 

 

 

تصنف مدينة الهوارية ضمن أهم المدن الاستراتيجية بالبلاد التونسية لوجودها بين نقطتين جغرافيتين حيويتين هما قارة إفريقيا وقارة أوروبا، كما يوجد بها جبل مطل على البحر من ثلاث اتجاهات شمالا وشرقا وغربا حيث سيلعب هذا الموقع والجبل دورا رئيسيا في مسلك الطيور المهاجرة.

#جبل_الهوارية_في_عقود_ملكية_جماعة_الهوارية:
يمثل جبل الهوارية حاجزا صخريا مرتفعا بين آخر نقطة من الوطن القبلي والبحر بالشمال الشرقي ويبلغ ارتفاعه حوالي 393 متر كما انه يمثل إرثا عائليا وامتداد لمجالهم الحياتي هذا حسب حجة عادلة مؤرخة في 1771م الموافق ل1185ه‍ والمعد قانونيا بأمر من قاضي “باردو” يقول بأنه وفق شهادة 43 شخصا بكونهم يعرفون “هنشير قصر أدار” والذي يحتوي على أرض وغابة يحده جنوبا وشرقا البحر وشمالا وغربا بني محسن ويقع الجبل جنوب الهنشير المذكور المسمى “رأس أدار” ويدعى جبل الهوارية والذي يتضمن أماكن للصيد وبيوت للنحل والجبل نفسه يحده شمالا وشرقا وغربا البحر، وكل هذا على ملك جماعة الهوارية الذين وقع ذكرهم والذين لهم الحق في الملكية التي ورثوها عن أجدادهم.
ومن جهة أخرى تخبرنا الذاكرة الشعبية أن الهوارية تعد كرأس بحري يطل برأسه على البحر الأبيض المتوسط بها جبلان مهمان على ارتباط وثيق بحركة القرصنة التي نشطت خلال القرن 16م، ومن بين الجبلين المذكورين جبل “بوكتانة” وهذه التسمية نسبة لشخص كان يقوم بإقاد النار في خرقة بالية تعرف محليا بالكتانة فيرفعها في أعلى الجبل قصد إعلام أهالي الهوارية بأن القراصنة قد أوشكوا على الإقتراب من اليابسة وعليهم الإحتراس والإستعداد للتصدي لهم.

 

 

أما الجبل الثاني فاسمه جبل “سيدي جابر” وسمي نسبة لأحد المدافعين عن المدينة، كما أخبرنا أحد المحدثين السيد “علي القراري” شهر “الخال” بأنه دفن في الجبل العديد من أهالي الهوارية الذين تصدوا للقراصنة، كما عرفت المدينة العديد من الأولياء الصالحين معظمهم ممن دافعوا عن الهوارية ضد الغزاة في فترة اشتداد القرصنة في المتوسط ومن بين هؤلاء يمكن ذكر “سيدي عامر”، “سيدي جابر”، “سيدي عيسى”. ولازال هذان الجبلان يلعبان دورا هاما، فإذا كانا في السابق قد ساعدا في التصدي للغزاة، فإنهما اليوم لفت انتباه الأهالي لأنهما من أهم نقاط عبور الطيور المهاجرة من إفريقيا إلي أوروبا عبر مضيق صقلية_الهوارية.

#جبل_الهوارية_نقطة_عبور_الطيور_المهاجرة_و_مرصد_لمراقبتها:
يلعب جبل الهوارية موقع استراتيجي فهو يعد نقطة عبور وتجمّع مئات الآلاف من الطيور المهاجرة خاصة الجارحة منها في رحلة العودة شمالا إلى موطن تكاثرها في القارة الأوروبية بعد قضاء فترة الشتاء بإفريقيا جنوب الصحراء، حيث نجد آلاف الطيور سنويا في جبل الهوارية “بوكتانة” و”سيدي جابر” و”جبل الطرطوشة” و”جبل الباطن” في انتظار الرياح الملائمة للطيران آتية من جنوب القارة الإفريقية متجهة نحو القارة الأوروبية.

 

 

 

في هذا الإطار نظمت “جمعية أحباء الطيور” بالهوارية مخيم من 15 إلي 30 أفريل 2011 بقمة جبل الهوارية لرصد ولمتابعة الهجرة الربيعية للطيور، والهدف هو إحصاء عدد الطيور المهاجرة الذي بلغ حينها أكثر من 8 آلاف نوع، كما يهدف النشاط لتوعية المشاركين من أجل المحافظة على الطيور وحمايتها من التهديدات التي تواجهها في هجرتها، وبهذا فإن جبل الهوارية يعد مرصدا عالميا لإحصاء ومراقبة الطيور الجارحة من بينها فصيلة “البزاة” و “الصقور” و “النسور” وسائر الطيور والعصافير، كما تحاول الجمعية من جعل عملية رصد ومراقبة الطيور نشاط لتطوير السياحة البيئية البديلة. كما أنه اختيار جبل الهوارية لرصد ومتابعة الهجرة الربيعية للطيور لم يكن اعتباطيا وذلك لاعتبارين اثنين:
أولا: “مضيق الهوارية – صقلية” يمثل أهم ممر عبور للطيور المهاجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، حيث تكون هجرة الطيور عبر هذا المضيق في فصل الربيع بداية من شهر مارس إلي موفى شهر أفريل، وتعرف هذه الفترة من الهجرة عند أهالي الهوارية بهجرة العودة أي العودة إلي موطنها الأصلي القارة الأوروبية للتعشيش والتفريخ إنطلاقا من جنوب القارة الإفريقية مرورا بجبل الهوارية أين تقوم هاته الطيور باستراحة ثم تكمل هجرتها نحو أوروبا.

 

 

 

ثانيا: حذق سكان الهوارية لتقنيات القبض على الطيور الجارحة، من بينها طائر الساف والذي يعتبر كمورد رزق موسمي.
ومن أعالي جبل الهوارية في حالة صفاء الطّقس يمكن رؤية جزر صقلـّية وقبالته تربض جزر “الجامور” كما يطلق عليها أهالي الهوارية وهي جزيرتي “زمبرة” و “زمبرتّة”، وعلى الهضاب المجاورة تمّ تركيز أوّل وحدة لتوليد الطـّاقة الهوائيـّة وذلك بواسطة مجموعة من المراوح العملاقة في إطار استخدام الطاقة البديلة الغير ملوثة للبيئة.
إضافة إلى ذلك تجد الطيور قوتها بحكم أن سكّان المنطقة يتعاطى النشاط الفلاحي بمختلف أنواعه كالزراعات البعلية مثل القمح والشعير والفول والحمص، كذلك الزراعات السقوية المشهورة بها مثل الكاكويـّة، البطاطا، الفلفل والطماطم.

 

 

 

وتعتبر الفلاحة في الهوارية سوى البعلية أو السقوية لها صلة وثيقة بالطيور المهاجرة والوكرية أي التي تعيش هناك مثل طائر السمان الذي يجد في الحبوب غداءا له، كما أنه يمثل حلقة في عملية الصيد بالساف لأنه يعتبر فريسة وطعاما مفضلا بالنسبة للطيور الجارحة الساف و البرني.
كل هذه الظروف مجتمعة ساهمت في إقبال أهالي الهوارية على ممارسة الصيد بالطيور الجارحة حيث يتواجد العديد من البيازرة أي الصيادين اللذين يملكون فنون ومهارات ترويض الطيور بداية من صيدها وتدريبها وإعدادها لعملية الصيد لفائدة صاحبها.

عن الأستاذ_أمين_المكي
كتاب “البيزرة تراث ثقافي بالهوارية” (من الصفحة 3 إلي الصفحة 7).